عين القضاة
مقدمة 48
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
كما أن الصورة التي في المرآة فانية بالحقيقة ولا بقاء إلا للصورة الخارجة ؛ هذا من حيث النظر العامي في القناعة بالأمثلة المحسوسة ، والّا فالصورة الخارجة مع المرآة في نظر العارف فانية أيضا حسب فناء الصورة الداخلة في المرآة من غير تفاوت . الفصل الثالث والأربعون ( فوائد التأمل في المرآة ) المرآة عبرة عظيمة لأولى الأبصار . ومن نظر في المرآة نظرا شافيا ولم ينحلّ له كثير من المشكلات ، فليس يستحق أن يعدّ في زمرة العقلاء . ولعمري لم ينظر في المرآة عاقل إلا ويعتور عقله اشكالات عظيمة ويتشكك في جليات الأمور ، ولكن تنحلّ له مع ذلك مشكلات كثيرة . ولو لم يكن من منافع الحديد سوى المرآة لكان يكفى ذلك شاهدا على صدق قوله تعالى : « وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ » فكيف وفيه من للمنافع ما تستحقر معها المرآة على أن فيها من المنافع عجائب عظيمة كثيرة لا يمكن احصاؤها للعقل . والمرآة بالحقيقة مرآة العقلاء إذ يرون فيها صورة العقل العاجز عن ادراك حقائق كثيرة ؛ فحسبك بها شاهدة على أن العقل معزول عن ادراك كثير من المحسوسات الظاهرة فضلا عن المعقولات الخفية . فمن أراد أن يشاهد عقله على صورته التي هو عليها من العجز فليكثر النظر في المرآة ، فنعمت مبصرة للعقل بعجزه ، وكذبه في دعاويه العريضة الطويلة لنفسه من ادراك حقائق الأمور الإلهية . ولست أنكر أن العقل خلق لادراك أمور عظيمة من الغوامض ولكنه لا يعجبني إذا عدا طوره في دعواه وجاوز قدره وتخطاء .